خليل الصفدي
321
الوافي بالوفيات ( دار صادر )
والشجاعة والإقدام على الأمور العظام وليس في بني عبد المؤمن أعجب حديثا منه فإنّه كان بالأندلس واليا على قرطبة ، ويومئذ منسوب إلى الضعف والمهانة . فلما استولى أخوه العادل وثار عليه بالأندلس الظافر البيّاسي من بني عبد المؤمن وأخذ بمخنق العادل فأسلم العادل الأندلس ومضى إلى مراكش وترك أخاه إدريس بإشبيلية بغير مال ولا رجال وأيس الناس من سلامته وصار معظم الأندلس للبياسي . ثم إنّه نزل على إشبيلية وحاصر إدريس فأخرج إدريس من قصره حتى حليّ نسائه وقسم ثمن ذلك على الجند ، وهبّت له ريح السعادة والتوفيق وأفسد أجناد البيّاسي في السرّ بالمكاتبات والبذل والمواعيد . ففهم ذلك البيّاسي ورحل هاربا فدخل قرطبة وكان إدريس قد بعث بعثا إلى قرطبة وأفسدهم على البيّاسي وخوّفهم من أن يمكّن النصارى منهم فأثّر ذلك عندهم فلما دخلها صاحوا صيحة واحدة وزحفوا على قصره فخرج خائفا يركض فرسه فخرجت الخيل خلفه . فلحقه فارس منهم فقال له : إلى أين ؟ أنت تزعم أنك تكسر الجيوش باسمك / وحدك ارجع إليّ فها أنا وحدي . فقال إنّما كنت أكسره باسم السعادة فهل لك في أن تصطنعني فما أجدني أقدر على الدفاع . فحمل عليه وأخذ سيفه من يده وضرب عنقه به وحمل رأسه إلى إدريس فأعطاه ألف دينار وصيّره من خواصه ثم إنّه طاوله وضرب عنقه وقال : ما أستطيع أن أبصر من قتل ملكا . ولمّا استقامت الأندلس لإدريس وبلغه ضعف أخيه العادل بمراكش خلع طاعته في سنة أربع وعشرين وستمائة وجلس لأخذ البيعة فقام ابن عمه السيد أبو عمران وقرأ قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ « 1 » الآية . وقال : يسأل عن الرجل أهل بيته وقد سابقناه فأبى إلا تبريزا ، وخبرناه فلم نجده إلا ذهبا إبريزا ، فبادروا إلى بيعته فنور السعادة من وجهه لائح ، وقارضوه بإسلاف الطاعة فإنّ المتجر عنده رابح . فانثال الناس على بيعته وقد امتلأت قلوبهم بمحبته فلم تمرّ إلّا أيام يسيرة حتى بلغه
--> ( 1 ) آل عمران 26 .